جزيرة مَنْسيّة في قلب نيويورك

زهرة الخليج

  |   24 أغسطس 2016
بين أشهر أحياء نيويورك، مانهاتن وكوينز، توجد جزيرة مهجورة كانت في يوم من الأيام آهلة بالسكان. الغريب أنّ معظم أهالي نيويورك لا يعرفون بوجودها. فقد غَمَر النسيان هذه الجزيرة منذ غادرها آخر إنسان عام 1963. فما هي يا ترى قصة هذه الجزيرة؟ ولماذا باتت منسيَّة؟ مدينة نيويورك، واحدة من أكثر المدن ازدحاماً في العالم وأكبرها كثافة سكانية، مدينة تضجّ بالحركة ولا تنام ليلاً ولا نهاراً. قد يعتقد المرء أنه ليس في هذه المدينة بقعة واحدة هادئة وخالية من تدخُّل البشر. لكن هذا ليس صحيحاً، لنيويورك أيضاً أماكنها المهجورة وبُقعها المظلمة التي لم تَعُد تُسلَّط عليها الأضواء، ومنها جزيرة North Brother Island، التي كانت لعقود تجذب الأضواء، وتُثير فضول الصحافيين، وتستدرج إليها كاميرات المصورين، بسبب المنشآت العمومية المهمة التي كانت موجودة فيها. وعلى الرغم من أنه لا يمكن الوصول إلى تلك الجزيرة إلّا في قارب، إلا أننا سنذهب في رحلة استكشافية إلى هذه الجزيرة المهجورة التابعة لمدينة نيويورك، والتي عادت الطبيعة لتبسط عليها سطوتها وتمحو منها آثار المدنيّة.   «ماري حاملة التيفوئيد» توجد جزيرة North Brother Island بين اثنين من أشهر أحياء نيويورك مانهاتن وبرونكس، حيث كلّ منهما في شبه جزيرة منفصلة عن الأخرى من الساحل الأمريكي الشرقي. ويذكر التاريخ هذه الجزيرة بأنها كانت المكان الذي حجزت فيه «ماري حاملة التيفوئيد»، عندما وضعت تحت الحجر الصحي. أما اليوم، فقد أصبحت هذه الجزيرة مثالاً عَمّا يُمكن أن يتحوّل إليه عالمنا المتمدّن إذا ما هجره الإنسان. وماري حاملة التيفوئيد (1869 - 1938) هي امرأة أمريكية كانت حاملة لعدوى الـ«تيفوئيد» من دون أن تبدو عليها الأعراض. كانت ماري تعمل طبّاخة واشتهرت في مدينة نيويورك بأنها نقلت عدوى الـ«تيفوئيد» إلى 51 شخصاً (مات منهم 3) من العائلات التي اشتغلت لديها، من دون أن يعرفوا أنها السبب وراء ذلك، إلى أن قامت إحدى العائلات بتأجير مُحقّق خاص لكي يعرف من أين جاءتهم العدوى، فاكتشف أن كل أفراد العائلات الذين اشتغلت لديهم ماري خلال الشهور القليلة الماضية أصيبوا بالـ«تيفوئيد».   في قلب نيويورك يبدو غريباً جداً وجود جزيرة مهجورة في قلب مدينة نيويورك. وعلى الرغم من أن رؤيتها ممكنة وبوضوح للمسافرين عبر الطريق السريع الرئيسي رقم «إي 278» المار من برونكس، أو للمسافرين الذين تحطّ طائراتهم في مطار لاغوارديا، لكن الأغرب من ذلك أن القليل فقط من سكان نيويورك يعرفون بوجودها أصلاً. وإن كان البعض قد سمع عنها أي شيء فسيكون كل ما سمعوه عنها أن سيئة الذِّكر «ماري حاملة التيفوئيد» قد قضت سنواتها الأخيرة في حجر صحّي في جزيرة غامضة موجودة، يمكن رؤيتها على خط أفق مدينة نيويورك، بل إنه حتى هذه المعلومة البسيطة عنها، كثيراً ما يحوّلها البعض إلى فرصة للسخرية والتَّندُّر.   مركز للعزل حتى عام 1885، كانت جزيرة North Brother Island مُجرّد قطعة أرض صغيرة لم تتجاوز مساحتها 20 فدّاناً مُهملة وغير مأهولة بالناس، تماماً كما هي عليه اليوم. وفي ذلك العام تم بناء مستشفى «ريفر سايد هوسبيتال» على أرضها، وهو مؤسسة موجَّهة لإيواء وعزل مرضى الـ«جدري». كان الموظفون والمرضى يصلون إلى الجزيرة باستعمال المراكب التي تنطلق من الشارع رقم 138 في منطقة برونكس. وبالنسبة إلى الكثير من المرضى كانت تلك رحلة بلا عودة. ومع مرور الوقت توسعت هذه المنشأة وتحولت إلى مركز لعزل الأشخاص الذين يُعانون مجموعةً متنوعة من الأمراض الخطيرة المنقولة. مع حلول عام 1930، ظهرت الكثير من المستشفيات الجديدة في نيويورك، كما أن تَقدُّم مجال الصحة العمومية، قلّل من الحاجة إلى عَزل أعداد كبيرة من ذوي الأمراض المعدية. وفي الأربعينات، تم تحويل جزيرة North Brother Island إلى مركز لإيواء جنود الحرب العالمية الثانية وعائلاتهم. وفي عام 1951، كان أغلبهم قد سئموا من الحاجة إلى ركوب العبّارات مِن وإلى منازلهم، فقرروا أن ينتقلوا إلى أماكن أخرى للعيش فيها، وخلال العقد الأخير من الفترة القصيرة التي كانت فيها هذه الجزيرة مسكونة ببني البشر، تم تحويلها إلى مركز لإعادة تأهيل مُدمني الـ«هيرويين». مدينة أنيقة قبل بضع عشرات من السنين فقط، كانت North Brother Island منطقة مُتمدّنة وأنيقة مثل أي مدينة عصرية. وإذا ما نظرنا إلى بضع صُور التقطت لها من الجو في الخمسينات، فإننا لا نجد أي شيء غير مدني سوى بعض الأشجار. في تلك الفترة كانت الجزيرة مُغطاة بالطُّرق الإسفلتية والمباني، بما فيها المستشفى الخاص بمرضى السلّ، والذي بُني على طراز الفن الحديث. إلّا أنه مع مرور الوقت، قرّر مجلس مدينة نيويورك أنه ليس من العملي أن يستمر العمل من داخل الجزيرة، قال المسؤولون أنّ السبب هو التكلفة العالية لاستمرار العمل من هناك، في حين أن هناك الكثير من العقارات غير المكلفة على الجهة الأخرى من اليابسة. عندما انسحب آخر سكان الجزيرة (مرضى وأطباء وإداريين) من الجزيرة عام 1963، بدأت ملامح التمدُّن تُمْحَى شيئاً فشيئاً عن تلك القطعة من الأرض.   نباتات شيطانية سرعان ما بدأت الطبيعة في ممارسة وظيفتها، فانتشرت النباتات الشيطانية هنا وهناك، ونَمَت أشجار كثيفة على جنبات الطُّرقات فغطّت طُرقات بأكملها، وتسلقت فروع أشجار العنب جدران البيوت، فغطّتها وتسللت من نوافذها إلى داخل الغرف المهجورة، وكميات هائلة من الحشائش التي انسحبت على مواقف السيارات فحوّلتها إلى أرضيّة لغابة. وسرعان ما التَفَّ «النهر الشرقي» (The East River) حول جوانب الجزيرة والتهم الحواجز المعدنية المتآكلة بفعل الرطوبة، بل التهم الطريق المسفلت الذي كان يحيط بالجزيرة من حافتها الخارجية، تاركاً فقط غطاء لفتحة نظام المجاري وممراً مُبَلَّطاً كان يمشي فيه الجنود القدامى والممرضات. وبقيت الجزيرة خالية من أي أثر لبني البشر لفترة، لأن المدينة تمنع أي زوّار من الذهاب إلى هناك، لأسباب تقول إنها تتعلق بالسلامة. أما اليوم، فإنّ الفرصة باتت مُتاحة أمام أهل نيويورك والقادمين من خارجها، أيضاً لكي يستكشفوا جزيرة North Brother Island، ليس بوساطة القارب أو مشياً على الأقدام، وإنما من خلال دراسة فوتوغرافية مُثيرة للمكان، بعدسة المصور الفوتوغرافي كريستوفر باين.   مُصوِّر مُتحمِّس ومثله مثل أغلب أهالي نيويورك، عاش باين معظم سنوات حياته لا يعرف بوجود جزيرة North Brother Island، لم يسمع بها سوى عام 2004، وذلك بينما كان يشتغل على مشروع حول مستشفيات الأمراض العصبية التي تم إغلاقها. وكانت الجزيرة بمثابة تطور طبيعي في استكشافه للمباني المهجورة والمنسية. وفي عام 2008، حصل باين أخيراً على الإذن من سلطات المدينة، لكي يتمكن من زيارة تصوير الجزيرة المهجورة. ومنذ الرحلة الأولى، وقع باين تحت سحر الجزيرة غير المأهولة. يقول باين «إنه إحساس لا يُصدَّق. أنت ترى المدينة وتسمعها، ومع ذلك فإنك وحدك لا يوجد معك أحد في ذلك المكان». وفي السنوات الخمس التي تلت ذلك، زار باين الجزيرة نحو 30 مرّة، وفي كل مرّة منها كان يقلّه إليها صديق لديه قارب، وغالباً ما كان يُرافقهم عمّال من البلدية.   محميّة طبيعية قام باين بالتقاط صور للجزيرة في جميع حالاتها، وتحت إضاءات مختلفة ومن كل زاوية أتيحت له. يقول باين: «أعتقد أنه لأمر رائع أن يكون هناك مكان لم يتم تطويره بعد من قبل مجلس المدينة، مكان لم تطغَ عليه يد البشر وتُرك لكي يبقى كما هو»، مضيفاً أن مجلس المدينة قد أعلن مؤخراً جزيرة North Brother Island محمية طبيعية. لم يَبْقَ من آثار السكان القدامى للجزيرة المهجورة سوى النُّذر القليل جداً، إلّا أن الحظ كان حليف باين في بعض الأحيان، فعثر على كتاب لعلم نحو اللغة الإنجليزية يعود إلى عام 1930، وعثر على رسومات جداريّة متعددة لنزلاء سابقين في المستشفى الموجود هناك، كما عثر على دليل لأرقام الهاتف لمنطقة برونكس، يعود إلى عام 1961، وأيضاً على صورة أشعة إكس من الجناح الخاص بمرضى السل. لكن لم يَبْقَ تقريباً أي شيء يستحق الذِّكر في بيوت الأطباء أو غُرف الممرضات أو عنابر مرضى السل المعزولين، بمن فيهم أشهر امرأة أقامت في الجزيرة، ألا وهي «ماري حاملة التيفوئيد». يقول باين: «ألقت السنوات والعقود بظلالها على المكان، ولعبت الطبيعة لعبتها، فمسحت الكثير من آثار الوجود البشري هناك». في بعض المناطق من الجزيرة، نَمَت النباتات بشكل كثيف جداً، وغَشَى بساط كثيف من الأعشاب مَباني بأكملها، حتى أصبحت هذه الأخيرة مختفية تماماً تحت خضرة النباتات وخاصة في فصل الصيف. ويضيف باين: «في إحدى المرّات، حدث أن علقت وسط تلك النباتات، ولم أتمكن من التقدُّم خطوة واحدة إلى الأمام من دون استعمال الخنجر الذي كنت أحمله معي. أما في شهر سبتمبر، فإنّ الجزيرة تكون أشبه بغابة حقيقية».   نافذة على المستقبل ذهب باين إلى الجزيرة لكي يُصوّر للعالم ما الذي يُمكن أن يحدث لنيويورك، أو لأي مكان في العالم إذا هَجرهُ الإنسان. قد تكون هذه فكرة متشائمة، لكنها تبقى واقعية، خاصة مع تزايد الأدلّة التي تشير إلى أن مصير الكثير من المدن الساحلية عبر العالم سيكون هو هجرة سكانها، وذلك ربما يحدث في القرن المقبل أو الذي يليه. ينظر الكثيرون إلى الأطلال كما لو أنهم ينظرون إلى الماضي، لكن هذه البنايات في الحقيقة تُبيّن ما يمكن أن تتحول إليه نيويورك في المستقبل، فأنا أرى هذه الصور كما لو أنها نوافذ مفتوحة على المستقبل، تُبيّن لنا ما الذي ينتظرنا». ويقول باين: «لو اتفقنا جميعنا على ترك مدينة نيويورك اليوم، فإنها بعد خمسين سنة ستبدو تماماً مثل North Brother Island الآن». أصدر باين صوره في كتاب أطلق عليه اسم «آخر مكان غير معروف في نيويورك، واستضاف ندوات ثقافية في نيويورك لتعريف الناس بهذه الجزيرة، وأيضاً عرض صوره، وحضر بعض هذه الندوات شخص أو اثنين عاشا بالفعل فيما مضى من السنوات في تلك الجزيرة.

مقالات مختارة

إبداعات استثنائية في أسبوع لندن للموضة