كيف تبدأ العام الجديد دون أن تقسو على نفسك؟
#صحة
لاما عزت اليوم
مع بداية كلِّ عام جديد، لا يبدأ العدّ التنازلي للأيام فقط، بل تبدأ أيضًا محكمة داخلية صامتة.. محكمة لا تحتاج إلى قاضٍ أو شهود؛ لأن الإنسان يتولى فيها كل الأدوار: المُتهِم، والحَكم، والمنفِّذ.. في يناير، تحديدًا، تتكثف هذه المحاكمة النفسية؛ فنراجع ما أنجزناه، وما أخفقنا فيه، ونضع لأنفسنا معايير صارمة لما يجب أن نكون عليه، كأن السنة الجديدة لا تقبل إلا نسخة مثالية منّا.. في «زهرة الخليج»، التقينا الدكتور آرام حسن، استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي، بروفيسور مساعد غير متفرغ في جامعة الإمارات للغوص في ظاهرة «جلد الذات»، التي تتصاعد مع بداية العام، وفهم الأسباب النفسية، التي تجعل «النقد الداخلي» يتحوّل من دافع ظاهري إلى عائق حقيقي أمام التقدم. ومن خلال قراءة علمية معمّقة، يشرح الدكتور آرام كيف يعمل «تأثير البداية الجديدة» على مستوى النفس، ولماذا تتحوّل الرغبة في التغيير، أحيانًا، إلى قسوة داخلية، تُضعف الثقة، وتستنزف الطاقة ولا تدعمها.
إن هذا الطرح يفتح مساحة للتأمل في علاقتنا مع ذواتنا، ويضيء على الفرق بين التقييم الصحي، والنقد الهدّام، وصولًا إلى مقاربة أكثر واقعية، ورحمة للبدايات الجديدة؛ ولا تقوم على «جلد الذات»، بل على التقدّم المتوازن، والاستمرارية.
-
كيف تبدأ العام الجديد دون أن تقسو على نفسك؟
«تأثير البداية الجديدة»
يؤكد الدكتور آرام حسن أن بداية العام الجديد، غالبًا، تكون فترة حسّاسة نفسيًا، إذ تتكثّف - خلالها - عملية تقييم الذات، بشكل يفوق المعتاد. ويشير إلى أن كثيرين ينظرون إلى شهر يناير؛ بوصفه لحظة فاصلة بين: «ما كان»، و«ما يجب أن يكون»، ما يضع الفرد تحت ضغط داخلي غير معلن؛ لتحقيق تغييرات، جذرية وسريعة، في حياته. ويشرح: إن علم النفس يصف هذه الحالة بما يُعرف بـ«تأثير البداية الجديدة»، وهو تأثير يمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالتحكّم، والأمل، وإمكانية التغيير. لكنه - في الوقت نفسه - قد يحمل جانبًا سلبيًا؛ حين يقود إلى المبالغة في تقييم القدرة على التغيير السريع. فالبداية الرمزية - كما يقول - قد تدفع البعض إلى وضع أهداف تتجاوز طاقتهم الواقعية، ما يفتح الباب أمام الإحباط، و«جلد الذات»، عند أول تعثّر.
من الرغبة في التغيير.. إلى فخ الكمال
يكشف استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي أن أحد أهم الأسباب النفسية؛ لتحوّل التقييم الذاتي إلى نقدٍ قاسٍ، يتمثل في الرغبة اللاشعورية في التغيير الكامل. فالعقل، في لحظات البدايات، لا يميل إلى التفكير في الخطوات التدريجية، بل يربط التغيير الحقيقي بالتحوّل الشامل، كأن التقدّم لا يكون مقبولًا؛ إلا إذا كان كاملًا، وسريعًا. ويلفت إلى ما يسمّيه «الانحياز إلى الكمال المطلق»، حيث ترتفع التوقعات بشكل غير واقعي، ويُختزل النجاح في الوصول إلى نتيجة مثالية، وليس في التقدّم المرحلي، أو المحاولة المستمرة. وفي هذا السياق، يضيف أن الإنسان يبدأ بمقارنة نفسه بنسخة مثالية، يتخيّلها عن ذاته في المستقبل، أو بنسخ منتقاة من حيوات الآخرين، ما يجعله يرى أي انحراف عن الخطة فشلًا شخصيًا، وليس صعوبة طبيعية في المسار.
التقييم الصحي.. والنقد الهدّام
يوضح الدكتور آرام حسن أن الفرق الجوهري بين التقييم الصحي للذات، والنقد الهدّام، يكمن في طريقة تفسيرنا للخطأ. ففي التقييم الواقعي، يركّز الفرد على الخطوات العملية، ويتعامل مع التجربة بوصفها قابلة للتعديل والتعلّم. أما في التقييم المثالي، فيُحاكم الإنسان نفسه على النتائج فقط، ويضع سقفًا عاليًا للتوقعات، لا يسمح بالخطأ. ويشير إلى أن الشخص، الذي يعتمد هذا النمط من التقييم، يرى الخطأ دليلَ خللٍ في شخصيته، وليس جزءاً طبيعياً من التجربة الإنسانية. ومع تكرار هذا النمط، يتصاعد الخوف من الفشل، ويتحوّل النقد الداخلي إلى «عامل شلل»، يمنع المحاولة والاستمرار.
جذور «النقد الداخلي»
يؤكد الدكتور آرام حسن أن نقد الذات الصارم، غالبًا، تكون جذوره أعمق من لحظة بداية السنة نفسها. فهناك أبحاث نفسية كثيرة تربطه بأنماط تربية مشروطة، حيث يرتبط الحب - أو القبول - بالإنجاز؛ ما يجعل الفرد يكبر، وهو يعتقد أن قيمته مرهونة بأدائه. كما قد يرتبط بتجارب مبكرة من السخرية، أو المقارنة، أو ببيئات تعليمية ومهنية، تركز على الأداء والنتائج، دون تقدير الجهد أو الإبداع. ويشرح: إن هذه الخلفيات تُنشئ صوتًا داخليًا ناقدًا لا يهدأ، يظهر في الحياة اليومية عبر سلوكيات، مثل: التسويف خوفًا من الفشل، والمبالغة في التخطيط دون تنفيذ، وصعوبة الراحة، والعمل المفرط، وتقليل قيمة الإنجازات، وعدم القدرة على الاستمتاع بها.
مقارنة غير عادلة
يشير استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في تضخيم النقد الداخلي؛ بعدما ابتعدت عن وظيفتها الاجتماعية الحقيقية، وأصبحت تَعْرِضُ حياة الآخرين بصيغتها الأكثر مثالية، وانتقائية.. ويقول: إن المشكلة تكمن في مقارنة واقع نفسي وإنساني كامل بواقع افتراضي يتم انتقاؤه بعناية، ما يولّد شعورًا دائمًا بالتقصير، والنقص، وخيبة الأمل.
أعراض جسدية.. ونفسية
يكشف الدكتور آرام حسن أن النقد الداخلي المستمر لا يبقى محصورًا في الأفكار، فقد يتحوّل - مع الوقت - إلى أعراض جسدية ونفسية واضحة، مثـــل: الأرق، واضطــرابـــات النـــوم، والعصبـيــة، والصــــداع، وآلام العضـــــــلات، واضطرابات الهضم، وضعف المناعة، والقلق، ونوبات اكتئاب خفيفة إلى متوسطة. ويؤكد أن هذه الأعراض إشارات واضحة إلى أن النفس تتعرّض لضغط، يفوق قدرتها على الاحتمال.
ضرورة علاجية
يشدّد استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي على أن التعاطف مع الذات لا يعني التهاون أو التراخي، بل هو مهارة نفسية أساسية، تعزّز المرونة، والثبات الداخلي. ويشرح: إن التعاطف مع الذات يقوم على التعامل بلطف مع الأخطاء، والاعتراف بالمشاعر دون إنكارها، وفهم أن الفشل جزء من التجربة الإنسانية، وليس دليلاً على الضعف الشخصي.
-
كيف تبدأ العام الجديد دون أن تقسو على نفسك؟
منهجية عملية.. لبداية أكثر توازنًا
يعرض الدكتور آرام حسن، استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي، منهجية «التوجيه – التحفيز – المستقبل الأفضل» (OMB-CoTeam)، وهي طريقة ساهم في تطويرها بالتعاون مع مركز كوتيم الأكاديمي للتدريب المهني والإرشاد النفسي في هولندا، وقد تم اعتمادها، لاحقًا، ضمن البرامج الإرشادية للقادمين الجدد، كأحد الأساليب العملية الفعّالة في التعامل مع النقد الداخلي المرتفع. ويشرح: إن هذه المنهجية تساعد الفرد على فهم واقعه بوضوح، وتحديد دوافعه الحقيقية، وبناء خطة مستقبلية، تعتمد على خطوات صغيرة قابلة للتحقق، بدل الوعود المثالية. ويؤكد أن قوة هذه المنهجية تكمن في نقل العلاقة مع الذات من منطق الكمال إلى منطق التقدّم التدريجي؛ ما يجعلها مناسبة - بشكل خاص - لبدايات العام.
ميثاق بداية.. بلا قسوة
ولبداية أكثر توازنًا؛ يقترح الدكتور آرام حسن ميثاقًا بسيطًا، من خمسة مبادئ:
• خطوة صغيرة كل يوم.
• الكفاية أهم من الكمال.
• الراحة جزء من الإنتاج.
• الاستمتاع بالإنجاز، لا القفز فوقه.
• العيش في اللحظة بدل مطاردة النسخة المثالية.
«قاعدة ذهبية» لبداية صحية
يختتم الدكتور آرام حسن، استشاري الطب النفسي والمعالج في المركز الأميركي النفسي والعصبي، حديثه بالتأكيد على أن «القاعدة الذهبية»، لأي بداية صحية، تكمن في التركيز على السلوك لا النتيجة. فبدل وضع أهداف صارمة، ينصح بالتركيز على خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ، والتعامل مع إخفاقات الماضي؛ بوصفها بيانات للتعلم، وليست تقديراً للقيمة.. يقول: «قيمة الإنسان لا تُقاس بما أنجزه في عام واحد، بل بقدرته على الاستمرار، والتقدّم بثبات». ويضيف: أن بداية العام قد تكون فرصة حقيقية للتغيير، حين نتعامل معها بوعي ورحمة، لا بقسوة و«جلد الذات».