كريستين ناغل: أكتب العطر على البشرة
#بشرة
نسرين فاخر اليوم
تتعامل مع العطر ككائن حيٍّ، يولد من خامةٍ، ويتغذّى من ذاكرةٍ، ويبحث عن جلدٍ يسكنه. كريستين ناغل Christine Nagel، المديرة الإبداعية للعطور في دار «هيرميس» (Hermès)، لا ترى أن مهمتها تنحصر في مزج المكونات، بل في صياغة تجربة حسّية كاملة، تبدأ من الجذر حرفياً، وتنتهي عند البشرة. وبمناسبة إطلاق فصلٍ جديد، ضمن مجموعة «Hermessence»، من «Hermès» (السلسلة العطرية، التي تقوم على حوارٍ نادر بين خامتين، وعلى نقاءٍ يكاد يلامس جوهر المادة نفسها)، تعود الدار؛ لتؤكد أن العطر ليس أثراً عابراً، بل تجربة تُبنى بتأنٍّ، طبقةً فوق أخرى، حتى تستقر على البشرة كأنها امتدادٌ لها.. في هذا السياق، التقينا كريستين ناغل؛ لنقترب أكثر من فلسفة هذا العالم.
-
كريستين ناغل: أكتب العطر على البشرة
تحتفي «Hermessence» بلقاءات نادرة بين الخامات.. كيف تترجمين هذه الفلسفة إلى تجربة حسّية للمتلقي؟
في «Hermès»، تُعامل المواد الخام، كما يُعامل الجلد في مشاغل الدار. وقد يبدو الأمر عادياً للوهلة الأولى، لكن الجودة، هنا، هي كل شيء، ومن المهم أن تكون الخامات واضحة، وقابلة للتعرّف، وصادقة في حضورها. عملت في دور عدة قبل «Hermès»، لكنني لم أستخدم، يوماً، خامات بهذه الجودة، ولم أمتلك هذه الحرية في البحث عن الأفضل. وهناك مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقي؛ لأن كل تصميم يحمل اسم «Hermès»، وكل عطر يجب أن يكون مكتملاً.
ذهب سائل
كيف تنظرين إلى العلاقة بين صناعة العطور، والسرد الفني أو الأدبي؟
بالنسبة لي، العطر حكاية، ولكن أي حكاية لا تبدأ قبل أن تمسّني عاطفة ما، سواء كانت سفراً، أو لقاءً، أو لحظة.. أي يجب أن يحدث شيء ما. بعد ذلك، أبحث عن المواد، التي يمكنها أن تحكي هذه القصة بلغة الشمّ. ومن دون العاطفة، والخامة المناسبة، لا أستطيع أن أبدأ مطلقاً. عندما وصلت إلى «Hermès»، سألت نفسي: ما الموضوع، الذي لم يُروَ بعد؟.. فقررت العودة إلى أصل العطر.. إلى الشرق الأوسط. لذلك، سافرت إلى أبوظبي، ودبي، والبحرين، وجدة، والتقيت نساء تحدثن معي عن العطور بشغف عميق. لم أرد أن أكون «أنفاً في مكتب»، بل أن أتغذّى من التجربة. ومن مجموعة Hermessence، وُلدت عطور نقية غير كحولية، مثل: «Cardamusc»، و«Musc Pallida»، تكريماً لتقاليد المنطقة، حيث لم تكن العطور في بداياتها قائمة على الكحول.
ما المكوّن، الذي لمسكِ أكثر في المنطقة؟
المسك؛ فقد أخبرتني نساء عن استخداماته، ودلالاته. ففي الشرق الأوسط يحمل المسك بُعداً حسياً مختلفاً عمّا عرفته في أوروبا. أما العود، فكانت علاقتي به معقّدة؛ لأنني لم أحبه في البداية، وشعرت بأن اسمه يُستخدم كثيراً بلا صدق في السوق. لكن، عندما اختبرت عوداً ذا جودة حقيقية، وقعت في حبه تماماً، ومن هنا وُلد «Oud Alezan»، بمزيج العود والورد، وقد استوحي من حصان اسمه «تشيلسي» تقبلني؛ رغم أنني كنت أخاف من الخيل. أحياناً، يحتاج المكوّن إلى لحظة صدق؛ ليكشف عن نفسه. والشرق الأوسط، لديَّ، يُختصر في المسك، والعود.
-
كريستين ناغل: أكتب العطر على البشرة
في عالم السرعة والإنتاج الكثيف.. كيف تحافظ «العلامة» على الحصرية، والبطء الإبداعي؟
الجودة في «Hermès» ليست خياراً، بل شرط وجود؛ فأحياناً أعمل لسنوات على مادة قبل استخدامها، كما أنني أحب العمل بخامات استثنائية، مثل المسك الحصري المحمي ببراءات، والذي لا يُباع، عادةً، إلا لعدد محدود جداً. ونحرص، أيضاً، على أن يتم حصاد العود أخلاقياً، عبر تدقيقات تضمن احترام الطبيعة. إن الإبداع يحتاج إلى وقت، وأنا لا أستسلم بسهولة.
ما الذي جذبكِ إلى زهرة السوسن (إيريس باليدا) النادرة، وما الحكاية الكامنة وراء هذا الاختيار؟
زهرة السوسن (Iris Pallida)، تُعد من أرقى المواد الخام في عالم العطور؛ فرائحتها تشبه ملامسة جلد الشامواه؛ في نعومة مخملية تتخللها مسحة خشونة خفيفة، تمنحها شخصية، وأناقة متحفظة. في الحقيقة، ما يُستخدم في العطر ليس الزهرة بل الجذر (الريزوم)، الذي يبقى مدفوناً في الأرض لسنوات قبل حصاده، ثم يُجفف بين ثلاث وثماني سنوات، وكلما طال التجفيف؛ ارتفعت نسبة مركبات الـ«irones»، التي تمنح السوسن عمقه البودَري الأنيق. إنها مادة تحتاج إلى صبر طويل، أشبه بـ«الأميرة النائمة»؛ فهي ليست موسمية كالورد، بل خلاصة سنوات من الانتظار والعمل؛ لهذا تُعد - بحق - ذهب صناعة العطور، الذي يحتاج إلى وقت؛ ليصبح سائلاً.
أثر خالد
تصفين العطر بأنه «جلد ثانٍ».. كيف يصبح العطر امتداداً للشخصية؟
لديَّ، العطر لا يُختبر على الورق، بل على البشرة؛ فالجلد هو أداتي الأولى، والمساحة الأكثر صدقاً للحكم على الرائحة. لا أحب العطر الذي يبقى كطبقة منفصلة، بل أبحث عن تلك اللحظة الدقيقة، التي تذوب خلالها الرائحة في الجلد، وتصبح جزءاً منه، لا فوقه. وحين يندمج العطر بالبشرة، يعبر عن صاحبه، ويتحرك معه، ويتبدل بحرارة الجسد، ويتفاعل مع كيميائه الخاصة، عندها، فقط، يتحول من تركيبة جميلة إلى حضور حيّ، ومن رائحة إلى هوية. إنني أميل إلى مكوّنات، مثل: العنبر، والمسك؛ لأن لديها قدرة طبيعية على الامتزاج والانسجام؛ فهي لا تفرض نفسها، بل تنساب بهدوء، وتمنح إحساساً ناعماً، يكاد يُلمس. التجربة الحسية بالنسبة لي لا تبدأ من الشمّ وحده، بل من ذلك التفاعل الخفيف بين الرائحة والجلد، وبين الملمس والأثر.
-
كريستين ناغل: أكتب العطر على البشرة
اختصري لنا بصمتكِ الإبداعية بصناعة العطور في كلمة واحدة!
إذا أردتُ اختصار توقيعي الإبداعي في كلمة واحدة، فسأقول: «الملمس»، أو ربما «الحسية».
ما الذي يجعل العطر خالداً؟
العطر الخالد يولد في بيت عطور يؤمن بالصدق، والبساطة، والاستمرارية، وكلها تمنحه فرصة البقاء. انظري إلى «Terre d’Hermès»، المستمر لأكثر من عشرين عاماً، ولا يزال بين أهم عطور الرجال في العالم.
بعد كل ما استلهمتهِ من المنطقة.. ما الذي بقي بداخلكِ من الشرق الأوسط، وما الذي تودين قوله لنسائه اليوم؟
تعلمت الكثير من نساء هذه المنطقة؛ فلم تكن لقاءات عابرة، بل حوارات تركت أثراً حقيقياً في تكويني كصانعة عطور. إن طريقتهن في الحديث عن الرائحة، وعلاقتهن الشخصية بالعطر، والحسّ العميق الذي يمنحنه إياه، كلها غيّرت نظرتي إلى مهنتي. أعتقد أن في كل عطر أبتكره اليوم خيطاً رفيعاً، يربطني بالشرق الأوسط. إنه ليس اقتباساً مباشراً، بل إحساس داخلي يسكنني. بالنسبة لي، يجسد «Musc Pallida» هذا الرابط بهدوء وأناقة. إنني أعود دائماً إلى المنطقة بشعور الامتنان، وأتطلع إلى اللقاء مجدداً في أبوظبي، حيث يبدأ الإلهام من جديد!