حكاية الحكايات إبريز ولوسي

واسيني الأعرج  |   22 أكتوبر 2018

قصة إبريز ولوسي بدأت بالصدفة. كان لوسي (أو لوسيانو أو لوتشيانو) نائماً على حافة البحر بعد أن حضّر سفينته ليرتحل نحو أعماق البحار، يجوب السواحل والموانئ الشرقية، يبيع ويشتري ثم يعود بعد شهور، وأحياناً بعد سنوات. فجأة سمع صراخاً، صوت استغاثة من شاب كان على حافة البحر: عمو لوسي يا حارس البحر. شابة تنتحر. رآها لوسي، وهي ترفع ذراعها بيأس. لم يفكر ثانية واحدة. ذهب الشاب ليأتيه بصدرية الإنقاذ يا سيدي البحر خطير، بلا صدرية. كان لوسي قد اختفى بين الموج. عندما وصل إليها، حاول أن يهدئها، لكنها غابت عن الوعي، وهو ما أراحه. بصعوبة وصل بها إلى اليابسة، مددها على الرمال، أدارها على جانبها الأيسر، ضغط على بطنها وصدرها، اندفع الماء قوياً، أحس بأنفاسها، صلى واقفاً ثم شكر البحر: شكراً. لقد منحتني رضاك، وسمحتَ لي بأن أكون صديقك. تقدم منه الشاب الذي طلب منه نجدة الفتاة، قال له: هي خطيبتي، اختلفنا، هددتني برمي نفسها في البحر. نظر إليه الصياد بحدة: لماذا لم تحاول إنقاذها؟ أجاب: البحر كان خطيراً. حملها لوسي بين ذراعيه، ومشى بها نحو السفينة. كان وجهها مضاء مثل ملاك، وخفيفة كقصب البامبو. دخل بها إلى سفينته. أراد الشاب أن يدخل وراءهما، منعه. قال له: ممنوع على الجبناء، من يحب عليه أن يقبل برهانات الموت. ثم أغلق الباب في وجهه. مددها على ظهرها. كانت تقطر ماء. سحب إزاراً وردياً، عراها كلياً، جاء بمنشفة معطرة بماء الورد. نشفها كطفل، بدأ بشعرها، ثم أذنيها، ثم صدرها، ثم نزل حتى ساقيها ثم قدميها وما بين أصابع رجليها. تحسس قلبها، كانت دقاته قد استقامت وانتظمت. جاءها بكأس عود النوار (القرنفل)، ثم جلس بجانبها. كانت تشرب وتستيقظ شيئاً فشيئاً، حتى فتحت عينيها كلياً. تساءلت: أين أنا؟ أجابها: أنت على ظهر سفينة راسية على حافة ميناء جزيرة رادونا. ارتميتِ في بحر عاصف، وأنقذك صديقك، كاد يموت معك. هو عند الباب، ينتظر أن أسمح له بالدخول. قالت: لحظة. وهل رمى بنفسه حقيقة، قال نعم. تمتمت: حبيبي. فتح عليه الباب. تخطى الشاب العتبة ولوسي يضرب على ظهره: شكراً يا بطل، أنقذتها من موت أكيد. قفزت من مكانها. قبلت يديه ورجليه: شكراً حبيبي. عذراً، كنت أختبر قلبي. جاءها لوسي بلباس مليء بالنوار. قال لها: هذا لصديقة برتغالية، البسيه. لم تعد منذ سنوات. عندما ارتدته بدت جميلة وكأن القدر خاطه على جسدها. ثم خرجا. راقبهما على الساحل حتى غابا متعانقين. مر زمن لم يلتقيا. وذات يوم كان يستعد للخروج بسفينته. جاءته وهي تلبس لباس البرتغالية نفسه. كان وجهها حزيناً. اقتربت منه. صفعته بقوة، ثم جلست على الكرسي وهي تندب: لمَ لم تتركني أموت؟ لماذا جئتَ بي إلى سفينتك؟ لماذا عريتني واغتصبتني؟ قال بحدة: كان يجب أن أتركك تموتين لتفادي هذه الصفعة. لو لم أغير لباسك المثقل بالماء، كنتِ تجمدت. أنا لا أنام مع امرأة ميتة. مسحت جسدك كما كنت أفعل مع أصدقائي الغرقى قبل تكفينهم ودفنهم. لست بكل هذا الجبن لأغتصب امرأة ميتة. دخل قائد السفينة عليه بعد أن أشعل المحركات. تأمل القائد الفتاة، ثم نظر إلى لوسي. أليست هذه هي البنت التي أنقذتها؟ كنتَ يومها مجنوناً. هل يعقل أن تركب بحراً عاصفاً وتنقذها من موت أكيد، والشاب الذي كان معها وقف يتفرج؟ انفتحت عيناها بكل اتساعهما. إذن أنت من أنقذني؟ قبلت يده. اقتربت منه أكثر. عندي طلب صغير لأشفع لك كذبتك. أن تسمح لي بأن أخرج إلى البحر. سأل القائد. أجابه ضاحكاً: موافق. القصة تتوقف عند هذا الحد. حكايات كثيرة نسجت عنهما. قيل بعد أكثر من سنة غياب، عادا إلى اليابسة. كانت حاملاً. دخل إلى قصره. لكن حبيبها وشى بهما. داهما بيته الأندلسي. لم يجدا شيئاً. عثرا على هيكلين عظميين على الفراش. بعثرا العظام ثم رمياها في أعالي البحار. ومرا لحرق السفينة الراسية، لم يجدا إلا مكان رسوها وحبال الربط.