مثقلة بك كما لو أنك ظلي

واسيني الأعرج

  |   24 يناير 2019

هل هي سنتنا الأخيرة حبيبي؟
كيف مضت السنة، وكيف هربت الشهور؟ وكيف انسحب الوقت مُخلفاً وراءه أدخنة وبقايا أيام؟ ألبسني كما تضع على قلبك معطفاً يَقيك النار والعدم، ودعني أنم قليلاً فيك، ولتمضِ سنة تؤرّخ لموتي.
سنة تمضي وأخرى تتبعها، وثالثة تموت. وأنت تكبُر فيّ، في عمق منافي الروح.
سنة تأتي وأخرى تنتظر وبحرك لا يزال بحري، ولونك لوني، وحقول البرتقال تحتل كل عطري. كم كنتُ وحيدة قبل مجيئك مُحمّلاً بأسئلة لا جواب لي عنها إلا طفولتي، ونوار الياسمين والبنفسج البَرّي.
سنة تهرب، وأخرى تستنجد بي، فكيف لي ألا أراك وأنت أنا؟
كيف للظلمة أن تغرقني وأنت مَنْ أنبتني فيك.
كيف لا أنحني لك وأنا مثقلة بك كما لو أنك ظلي.
كيف لي ألا أضع يدي في كفّك بعد أن ضاعت مني المسالك والسّبُل قبل أن أعبرها فيك.
كيف لي ألا أسكنك وأنت بيتي الأخير الذي منحني الدفء. ألستَ أنت من ألبسني الانتظار، ودَثّرني في زمن العراء. لا شيء أراه فيك غيري، وإذ أراني لا أراني إلا بك. منحتني قطرة الماء التي تسبق الموت، وسحبتني نحوي لكيلا أنساني.
كيف لي ألا أهرب بك نحوي، وأنت من دَسّ البحر في عيني، ثم أخذني من كفّي على حين غفلة، وركض بي على كل حواف الدنيا.
كيف لي ألا أعشق الهبَل الذي نهَى القدر من أن يؤذيني. يوم خانتني الألوان كلها، وتخلتْ عني موجة الشوق. سحبت قوس قزح من ذراعيه وطوّحت به نحوي. ووضعتَ لي زنّاراً من حرير الغيم، وأوقدتَ شموع السكينة فيّ، فكيف لي ألا أسقط بين ذراعيك تفاحة للمشتهى ومَزالق العشق.
أحبك. أكل هذا من أجلي؟ أوقفت سيْل العواصف عند بوابات المهالك، فانحنيتَ للصمت الذي فيها. أوقفتَ الزلازل عند منبت الشجر، وحرقة السحاب، وتصالح الشمس مع المطر. ووضعت في كفي الميتة زنبقة الحياة. أحبك. كلمة واحدة تكفي، قلها وامضِ من جديد، لتجعلني أطير في قلبك، وأرقص رقصة الجنون الكبير.
حبيبي يا هذا الهبَل العصي. هل رأيت يوماً غزلاناً تطير؟ أشهد بأني رأيتها، ونمتُ في حضنها على متن غيمة من نور. منحتني كل شيء. كيف لي ألا أراك وأنا أرى ما لا تراه فيك، طفلاً لم يمت، ورجلاً لم يكبر إلا قليلاً. امرأة أنا من رغوة حليب العذارى، أقف الآن على حافتك القاتلة باستقامة أبطال الأساطير. أنام تحت المطر الملون، وثقل الغيم والسماء. لا شيء يؤنسني إلا ظل البياض، عندما استقام وتَبدّت ملامحه، عرفت أنه نفسه الذي حملني في الحلم إليك. لا تتجرد من ظلك حبيبي، فلا ظل في النهاية إلاك.
دثّرني بك، وامنحني يدك الأقرب إلى قلبك، أقبّلها. كم من الكلمات أحتاج فقط لتفهم أن هذه المرأة الصغيرة هي حفنة من الفرح والخوف ليس أكثر. كم أشتهي أن أتجلّى فيك. للحب نُعوت ولغات لا يد تسرقها. قل لي حبيبي أسماء الحب: حُب ووجد يتجلّى في العشق، وهوَى يسرق العقل ويجعل الروح تطير. زدني حبيبي مما ملكت في سرك: هواي هواك كما الجوَى إذ يرقص من ألم النوَى. صبوة الشغف ميزان القلب عندما تضيع مَسالكه. وجدي كلَفٌ شق المدى، ومشى في تِيه العاشق. نجواي، لغتي الغامضة، وسحري، كلما التبَس شوقي بنبض الغرام. فهل للهيام فيك مكان لينام الودّ قليلاً في غيّك المشتهى؟
أنا كلك حين تنسى بعضك، وبعضك حين ينساك كلك.
فلا شيء يموت قبل الموت.

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث