قصة حُب في الصَّحراء زمن الحرب

سعود السنعوسي

  |   9 أغسطس 2019

لن يفلتَ صالح أبداً من انتقام النَّاقةِ لو أنها رأت فعلَهُ بصغيرِها، وحمداً لله أنني سبقته قبل أن يفعل. للإبِل طباعٌ صعبة مثلَ حياتِنا، وفيَّةٌ إن أحبَّت، ولكنها مزاجية، وتغور الإساءة في قلبِها ولا تُسامِح من يسيء إليها، وصالح خير من يعرف ذلك. فلأحدِ أسلافِنا قصةٌ متوارثة، حين أساءَ لبعيرِه صعب المراس، أثقلَ عليه وآذاه في مأكلِه ومَشربِه بعدما شاخ. تربَّصَ له البعيرُ في أحد أسفارِه معه وحيداً بعيداً مقطوعاً عن القبيلة، وطارده حتى هربَ جدُّنا الأكبر إلى رأس تلٍّ عالٍ في الصَّحراء. ظلَّ يُراقبُ البعيرَ الهائج في الأسفل يتحرَّى لحظة هدأتِه أو غيابه بعد طول انتظار. أضناهُ العَطَشُ في التَّلِّ الصَّخري، وقرَّرَ النُّزولَ في اليوم الرَّابع. وافاه البعيرُ في الأسفلِ. عضَّه في كتِفِه وبرَكَ فوقه يهرسه.
عاد البعيرُ إلى مضارب القبيلة بعد أيامٍ، ودماءُ صاحبِه على وَبَرِه الأبيض، في صدرِه وبين قائمتيه الأماميتين. نحن من ذُريَّةِ ذاك الرَّجل، ومنه اتَّخذنا اسم فرع القبيلة؛ المهروس، وعليه صرتُ صالحة آل مهروس. أما ذاك البعير الذي أنهى حياة جدِّنا فقد أسقطَ النَّاسُ اسمه، وصاروا يشيرون إليه باسم الهارِس مُذ يومِ ذبحِه جزاءَ جُرمِه. هي سُلالة إبلٍ مجنونة، قيلَ إنها من أوبار البعيدة، جنوب الصَّحراء، جِمال أوبار التي تزاوجَ أسلافُها مع جِمال الجِن في الماضي البعيد.
انحنتْ وَضْحَى بعُنُقِها إليَّ، تمسحُ جسدي برأسِها ممتنَّةً وقتَ عدتُ لها بصغيرها. مرَّرتُ كفِّي أُمسِّد وبرَ عُنُقِها أُطمئنُها. كان الوبرُ يعلقُ بين أصابعي وينتشر نُتَفاً في الهواء مثل بذور الهندباء الطائرة وقتَ ينفُخها الصِّغار. هو دأبها كُلَّ ربيعٍ تتخلَّص من وبرٍ اخشَوشن بفعل الشَّمسِ والغُبار، قبل أن ينمو ناعِماً قُبيل الشِّتاء، كالغيم أبيض يعكسُ أشعَّة الشَّمسِ، يهبُها مظهراً أكثر جاذبية أمام فَحلِها ساري في موسم البرد والتزاوج.
اندسَّ الصَّغيرُ بين قوائمها يُمصمِص ضرعها. نظرتُ إليهما ساهمة وأطلتُ النَّظر إلى وَضْحَى. أحبَّتها أُم دَحَّام بعد أن أطلقَ عليها القومُ لقبَ ناقة صالحة، تقول عسى أن يمنحها الله بركة ناقة صالح النبي. أُحبُّ أن أتأمل تفاصيلها؛ رشيقةٌ فاتنةٌ مُتماسكة السَّنام، صغيرةُ الرأس مُسطَّحة الهامةِ طويلة الغارِب، مبرومة الفخذين، بيضاء مثل كُريات البَرَدِ فوق الطِّين الدَّاكِن في الشِّتاء، واسعة العينين طويلة الرُّموش على نحوٍ مُدهش. كُلُّ ملمحٍ فيها يشي بأنها من سلالةِ إبلٍ أصيلة؛ وَضْحَى سَليلة الهارِس.

(*) مجتزأ من رواية قيد الطباعة.

الإشتراك للحصول على ملخص أسبوعي علي بريدك الإلكتروني

لن تتم مشاركة بياناتكم الشخصية مع أي طرف ثالث