لماذا أُحبُّ محفوظاً

سعود السنعوسي  |   30 أغسطس 2019

لأنه في كل إعادة قراءة يمنحني جديداً.
أُعيد قراءة ثلاثية نجيب محفوظ تزامناً مع قرب ذكرى رحيله الـ13، وأنا في غمرة دهشة لا أريد مفارقتها إزاء عمل كتب قبل 68 عاماً يحوي على كل هذه العناية بصنعة الكتابة وفنونها، وليس لأحداث العمل المعروفة شأن بتلك الدهشة، إنما هي متعة إعادة اكتشاف القدرة العظيمة للعم نجيب ووعيه بأدواته الكتابية في ذلك الوقت المبكر، ما يُضمِّن كل صفحة من صفحات الرواية الضخمة درساً كتابياً. وأنت تعيد قراءة العمل لا تملك إلا التفكير بتلك الأساليب التي استخدمها أديب نوبل لتكتشف حِدَّة وعيه ليس بما يقول وحسب، إنما بالأسلوب الذي يتضمن القول، كل حركة مدروسة، وكل تغيير في الأسلوب مُسبَّب. تكتشف حساسية عالية لدى الروائي لما يجب أن يقوله الراوي العليم ضمن مسافة واحدة بين الشخوص، وما يجب أن تقوله الحوارات بين شخصية وأخرى، وبين ما تقوله الشخصية الواحدة كشفاً لنفسيتها في مونولوج طويل يراوح بين الروي بضمير المتكلم تارة وضمير المخاطب تارة أخرى، حتى أنك تتعرَّف إلى الشخصية من دون ذكر اسمها، حينما يتخلى الراوي العليم عن حيادية التصاقاً بنفسيات بعض الشخوص، واهباً لها مهمة سرد جانب من دورها في الرواية، إذا ما راح واحدهم يسرد ما يخالج صدره، قبل أن يمسك الراوي العليم ثانية بزمام السَّرد يقف بينهم على المسافة ذاتها. تكتشف أن محفوظ يُريك ولا يُخبرك، وهو أمر يتكرَّر في تصوير الحالة عوضاً عن تسميتها، حينما يتجاوز كلمة «ضريرة»، على سبيل المثال، ويقدمها لك رؤيةً في مشهد متكامل يتضمن لقاء أمينة زوجة سي السيد بأمها المتربعة على أريكة، وقتَ تُرهف الأم السَّمع إزاء وقع خطوات ابنتها الزائرة، متطلعة العينين صوب الباب، ولما تدانت أمينة إليها سألت الأم: من؟ وحينما تجيبها الابنة بأنها أمينة، تُنزل الأم قدميها تتحسس موضع نعليها على الأرض، كأجمل ما يُصوَّر عليه سلوك الأعمى.
يفاجئك محفوظ في أحد فصول «قصر الشوق»، بحوار كما لو أنه حوار مسرحي، يبدو شكل الفصل مغايراً لا سرد فيه، حوار بين عالمة المنزل أم حنفي وأحفاد سي السيد، يكتفي بذكر اسم الشخصية وحوارها، وينتابك شعور لمجرد رؤية الصفحات، شكلاً، بأنك أمام فصل قاصر، معلق في فضاء لا مكان فيه ولا زمان، ولكنك مع القراءة تجد الحوارَ كاشفاً على نحو كامل، تتلمس سطح البيت بتفاصيله وحركة شخوصه دونما إيكال مهمة الوصف إلى الراوي.
والزمن لدى محفوظ في الثلاثية يستحيل رموزاً تربطك اشتراطاً بالوقت دونما تعيين، فضربات العجين عند فرن البيت هي وسيلة الروائي بتحديد الوقت فجراً، وفي وقع عصا سي السيد على السلالم صعوداً وشاية بأن الوقت تجاوز منتصف الليل، وزيارة الشيخ متولي عبدالصمد لدكان سي السيد يلمِّح لمرور زمن. هذا قليل من كثير محفوظ وفق ما تقتضيه مساحة المقال، وقد يقول قائل إنه من البداهة أن تتضمن رواية تلك الأساليب، ولكننا نتحدث عن عمل كُتب في عام1951، لا نقرأ كتابة في مثل جودتها اليوم.