تتارستان تعزف لحن التسامح

مليكة أحمد  |   28 أكتوبر 2019

زيارة إلى «تتارستان» الروسية، تجعلك ترى الحقيقة على غير ما تعرفها، فرغم قسوة ماضيها الدامي، ستشعر بنوع من الطمأنينة التي يدخلها إلى نفسك ذلك التزاوج والتلاحم الجميل بين الكنائس حين تُقرع، ومآذن المساجد حين تصدح بالأذان، وكأنها تنشد لحناً كُتبت سيمفونياته بشعار التسامح والتعايش وتصالح الأديان فهي واحة المحبة.

تعتبر «تتارستان» جمهورية مستقلة في روسيا، هي ثالث أكبر مدينة بعد موسكو وسان بطرسبرغ، وأقدمها تاريخاً بحوالي 150 عاماً، تحتل مساحة تقدر بـ70 ألف كيلومتر مربع، بكثافة سكانية تصل إلى أكثر من أربعة ملايين نسمة، أغلبهم تتارستيون، جزء منهم روس وآخرون ينتمون إلى عرقيات مختلفة، وتشكل اللغة التتارية إضافة للروسية، اللغة الرسمية للجمهورية، والتتارية هي خليط بين الفارسية والروسية، يمكنكم أن تلاحظوا الفرق بينها وبين الروسية بغياب حرف الراء المنعدم عند الروس. أما جغرافياً فتقع «تتارستان» على السفوح الغربية لجبال الأورال الفاصلة بين آسيا وأوروبا، وأجمل ما يميزها ضمها سلسلة من أجمل الأنهار في روسيا الاتحادية على الإطلاق مثل أنهار «بيلايا، رايك، وفيانكا»، وأبرزها على الإطلاق  نهرا «الفولجا، لا كاما» اللذان يزخران بثروة مائية وسمكية ثمينة، أسهمت في رفع اقتصاد الجمهورية وتقويته، عبر الملاحة وصناعة السفن. كما تزخر «تتارستان» بموارد طبيعية جمة، أبرزها آبار وحقول النفط والغاز، بالإضافة إلى موارد معدنية وزراعية جعلتها مركزاً صناعياً مهماً في روسيا.

تاريخ دامٍ
يعود الوجود الإسلامي في «تتارستان» لعام 922، لذلك ينتشر العمران ذو الطراز الإسلامي الذي يشكل مجموعة معتبرة من المساجد والأضرحة، التي هدم الكثير منها عند اجتياح المغول وسيطرتهم على البلاد في القرن الـ13، وبعدها سقوطها تحت حكم أمير موسكو وقيصر روسيا الأول «إيفان الرابع» المعروف تاريخياً باسم «إيفان الرهيب» في القرن الـ16، الذي منع التتار من ممارسة العبادات الإسلامية، وأرغمهم على بناء بيوتهم من الخشب، وارتكب مجازر دامية ضد المسلمين في «تتارستان»، وكان السبب وراء تحويل روسيا إلى مجتمع متعدد الأعراق،  كان طاغية ومستبدّاً ويتفنن في تعذيب الخارجين عن طاعته، فماضيه الأسود ما زال محفوراً في ذاكرة التتاريين على وجه الخصوص. 

معالم سياحية
من أبرز المناطق اللافتة للانتباه في «تتارستان» جمال عاصمتها «قازان»، التي تقع تحديداً على بعد 800 كيلومتر جنوب شرق موسكو، ستدهشون من جمال واجهة مبانيها البيضاء، وهي تطلّ على نهر «الفولجا» الذي يمتد عرضه إلى 43 كيلومتراً، في منظر بانورامي خلاب يحبس الأنفاس، لا تترددوا في زيارة مبنى «الكريملين»، الحصن التاريخي والمقر الرئاسي لإدارة «تتارستان»، يضم عدداً كبيراً من المكاتب الحكومية، بناه إيفان الرهيب على أنقاض قلعة التتار الوحيدة المتبقية في «قازان»، تمّ إدراج المبنى ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي عام 2000، نسبة لقدم تاريخه الذي يعود للقرن الـ12 الميلادي، ويزين الساحة المقابلة للمدخل الرئيسي نصب تذكاري مشغول من البرونز، يحمل ملامح أحد الشواهد التاريخية في الفترة السوفييتية لرجل تمزقه أسلاك شائكة كان شاعراً تتارياً يدعى موسى جليل، كان ضحية لقصائده الثورية، تمّ إعدامه على يد النازيين في العاصمة الألمانية برلين عام 1944.

روايات ومعابد ملهمة
لا تغفلوا عن رؤية وزيارة برج «سيويومبيك» الجميل، الذي سمي كذلك تكريماً لذكرى آخر ملكات «قازان» التي تقول الروايات إنها ألقت بنفسها من أعلى البرج، بعد أسرها من قبل «إيفان الرهيب». ويقع البرج بمحاذاة شارع «بومان» في مركز المدينة، وهو القلب النابض لحركة السياحة في «تتارستان»، وللاستمتاع بجماله يستحب التجول فيه مشياً، حيث يعج بالسكان المحليين، والمطاعم، وفيه متعة كبيرة للتسوق، تصدح فيها موسيقى شعبية يعزفها بعض العاشقين للموسيقى، كما أنكم ستلتمسون تلك البصمة الفنية والثقافية المميزة لأهالي «تتارستان»، من خلال اللوحات الجدارية التي تزين واجهات البيوت مرسومة بريشة فنانين موهوبين، وستتوقف أقدامكم عند بيت خشبي جميل، يزين مدخله تمثال لشهاب الدين المرجاني وهو مفكر ومصلح تتاري، تمّ تعذيبه حتى القتل خلال حكم «إيفان الرهيب».

ستأخذكم الروائح الزكية إلى السوق المركزي، حيث ستقتربون من الحياة اليومية للتتاريين بشكل كبير، هناك ينتشر عدد كبير من الباعة ذوي الأصول الإسلامية، ستعجبكم المحلات التذكارية التي تعرض عدداً كبيراً من المشغولات اليدوية، ومنسوجات الثياب التقليدية المطرزة بألوان مفرحة، تصاحبها قبعات مزركشة جميلة جداً عليكم باقتنائها للذكرى. وللاسترخاء والمتعة بعيداً عن صخب المدينة، وعلى بعد نحو 30 كيلومتراً شمال غرب «قازان»، يتربع دير «رافيا» ساحر الجمال بقبابه الذهبية المتناغمة واللونين الأبيض والأخضر اللذين يكسوان جدرانه، بناه الراهب «فيلاريت» عام 1613، الذي يُحكى أنه كان شديد التدين، ودائم الابتهال والتضرع والصلاة داخل الدير، الذي تم إغلاقه في الحقبة السوفييتية، وأعيد افتتاحه عام 1991.

متاحف
تزخر «تتارستان» بضمها العديد من المتاحف، أبرزها متحف «الأرميتاج» الذي كان في السابق عبارة عن ثكنة عسكرية، يضم اليوم العديد من القطع الأثرية، وعدداً لا بأس به من أشهر اللوحات الفنية، والأعمال الفنية الكلاسيكية المستوحاة من سحر «قازان»، وقد تم جمع ونقل العديد منها إلى متحف سان بطرسبرغ.