لولوة المنصوري تكتب: بيت الفنان
#مقالات رأي
لولوة المنصوري اليوم
بحثاً عن معنى البيت بين أوراق الخريف الأخيرة من عام 2025، كان حضور هذا البحث واضحاً وصريحاً ومُلحاً، ودافعاً إلى ترك العالم، والمُضي خلف السؤال الجذريّ عن بيت منعزل في أرض خاوية، يلفها الصمت والفراغ والهضاب الممتدة في الآفاق المفتوحة، بيت صغير للعابرين، يحوي فكرة التنقية من أثقال عام منصرم، بيت مُجَهز للخفة والتزهر خارج حلقات التوتر، والقلق من المجهول.
كم تربكنا الأمكنة الفواحة بروائح الطين، والغرين، والجذوع المتحجرة، والآثار المهجورة للحضارات!.. فكلُّ شيءٍ في الفضاء الأرضي الشاسع يستدعي الالتفاتة العميقة، والنباهة، والتمهل. ففي بيت صغير، وعتيق، على أرض «بيلا»، الموقع الأثري القديم على ضفاف «غور الأردن»، الفاصل بين «بيلا»، و«بيسان»، وهي، كذلك، بلدة يونانية تاريخية، وعاصمة مقدونيا القديمة، ومسقط رأس الإسكندر الأكبر. تقع «بيلا» غرب الأردن عند مصدر غني بالمياه داخل التلال الشرقية لـ«غور الأردن»، وتحديداً جنوب بحيرة طبريا.
كنت، في ذلك البيت الصغير العتيق، أعيد ترتيب مولدي، وتنسيق الدهشة والخلايا، وتنقية الأفكار في «بيت الريشة»، التي رسمت الصمت والخلوة عبر حفيف أشجار السرو، والصنوبر، والقزح، والمدى الصافي، والذاكرة الحرة، وقواقع ومتحجرات النهر الأزلي. «بيت الفنان»، كما يُسمى بيت الحبوب والزيتون، وحقول الهضاب الحمراء، وصدى نداءات الرعاة، ورنين أجراس المواشي، بيت صممه المهندس المعماري الفلسطيني عمار خماش.
أُولَد، وتولد معي الصلوات التي تشق الرخام والأحافير، وتلحُّ عليَّ الأرض باستعادة ذكرى أبدية ما عدتُ أذكرها، وتوقظ «نوستالجيا» طينية لبيتٍ دُفِن في زمن المحو، والزوال، زمن أثيري بعيد، غائم وملبد؛ فأمدُّ يدي لألمس وألتحم بطيفه المتجلي في داخلي.
في ذلك البيت المليء بالسكون، وأصوات الأرض والحياة؛ أدركتُ دلالة البيت، بيت القلب، وبيت الكون، وبيت النص. وسأظل، دائماً، على تطواف بين بيوت العالم، سائلة عن معنى قدسي لذلك البيت المبحوث عنه، لعله بيت بلا جدران، أو نوافذ، أو أبواب، بيتٌ في الشمس، أو على ظهر غَيْمة تطوف العالم، أو داخل قطرة مطر تُغذّي الأرض، أو داخل تجويف صخريٍّ، أو مِلْحيٍّ، أو شجريٍّ..