د. شما محمد خالد آل نهيان تكتب: فـنُّ التـوقـف
#مقالات رأي
د. شما محمد بن خالد آل نهيان 4 يناير 2026
نحن نعيش في دولة همَّشت في قاموسها كلمة «مستحيل»؛ إذ نرى المستقبل يُبنى أمامنا، فهناك مبنى يطاول السحاب، و«مسبار» يعانق «المريخ»، واستراتيجيات تسبق زمنها بعقود. هذا المناخ المحفز، بقدر ما هو نعمة، قد يتحول - دون وعي منا - إلى «فخ ذهبي». لقد تماهينا مع سرعة الدولة، حتى نسينا حقيقة بيولوجية بسيطة، هي أن الدولة كيان يتجدد، أما الإنسان فكيان يلزمه التجديد.
مع بداية كل عام، نركض لصياغة خطة السنة الجديدة، ونرسم في دفاترنا أحلامنا، التي نسعى إلى تحقيقها، وتكون غالباً قائمة طويلة من الإنجازات الإضافية، مثل: ترقية، أو مشروع خاص، أو دراسة عليا، أو لياقة بدنية مثالية.
لكن، دعونا نفكر خارج الصندوق هذا العام: ماذا لو كان الإنجاز الأهم ليس إضافة شيء جديد، بل التخلص من ثقل قديم؟.. ماذا لو كان هدف العام هو إتقان فن التوقف؟
هناك «ضريبة صامتة»، ندفعها مقابل هذا السعي المحموم نحو الرقم واحد.. هذه «الضريبة» نراها - بوضوح - في عيون شبابنا، الذين يشعرون بأنهم متأخرون عن الركب؛ إذا لم يصبحوا رواد أعمال في العشرين من عمرهم، ونراها لدى المرأة الإماراتية، التي تحاول الموازنة بين أدوارها: القيادية، والمجتمعية، والأسرية، معتقدةً أن المرأة «الخارقة، والاستثنائية»، هي المعيار الطبيعي، بينما هي - في الحقيقة - وصفة مثالية للاحتراق النفسي.
التفكير المختلف، هنا، يكمن في إعادة تعريف التعب. ففي ثقافتنا التنافسية، غالباً، نرى التعب كدليل ضعف أو نقص في الكفاءة. والحقيقة المغايرة هي أن التعب «جرس إنذار ذكي»، فهو صوت «المستشعر الداخلي»، الذي يخبرك بأن «وقودك المعنوي» شارف على النفاد. والاعتراف بالتعب ليس استسلاماً، بل هو قمة المسؤولية، تماماً كما تتوقف سيارات السباق في نقطة الصيانة لا لتنسحب من السباق، بل لتتمكن من إكماله بالقوة نفسها.
لماذا ننتظر بداية العام؛ لنزيد الأعباء؟.. فلنجعل بداية هذا العام نقطة جرد حساب نفسي وليس مهنياً، ولنغير مسار السؤال من: ماذا حققت؟.. إلى: كيف حالي، وأنا أحقق ما حققته؟
التوازن، الذي نبحث عنه، لا يحتاج إلى تذاكر سفر باهظة لجزر نائية، بل يكمن في العودة إلى الجذور، وممارسة طقوس وعادات بسيطة، لكننا نستصعبها؛ لأننا أدْمَنَّا التعقيد. فعلى سبيل المثال، تعامل مع نومك، كما تتعامل مع أهم اجتماع في يومك. إنه الوقت الذي تنظف فيه دماغك من ملفات الارتباط المؤقتة، وزحام يومك. ومارس المشي بلا وجهة، ليس للرياضة، بل لتفريغ الشحنات، وإعادة الاتصال مع الطبيعة. فالمشي يُعيد اتصالنا بالحياة الحقيقية، بعيداً عن «الشاشات الزرقاء»، والعالم الافتراضي.
كن شجاعاً في طلب المساندة؛ فطلب المساعدة شجاعة. ونحن مجتمع متكاتف بطبعه، و«الفزعة» في دمنا.. فلماذا نتردد في طلبها لأنفسنا؛ حين تضيق بنا الضغوط؟
الطموح جميل، وهو وقود التطور، لكنه حين يستهلك روح صاحبه يكون طموحاً غير مستدام. وفي مفهوم الاستدامة يجب أن يشمل أرواحنا أيضاً.
لنُعِدْ صياغة «المعادلة»: «أنت لستَ ما تنجزه، بل أنت الكيان الذي يحقق الإنجاز». ولكي يتطور الإنجاز وينمو؛ لابد أن تحافظ على الكيان؛ فلتكن خطتك هذا العام قائمة على استراتيجية السؤال: كيف أعيد التوازن إلى النفس، وكيف أحمي كياني من الهزيمة أمام التعب، وكيف أطفئ نيران الاحتراق النفسي؟!