المها جارالله: الفن يمنح المجوهرات روحاً وعمقاً
#أخبار الموضة
كارمن العسيلي اليوم
في تعاونها الأخير مع دار «بولغري» (BVLGARI)، ضمن فيلم ومعرض «أيقونات القمر»، لا تكتفي الفنانة التشكيلية الإماراتية المها جارالله بتقديم عمل فني، بل تنسج تجربة بصرية تتقاطع فيها الذاكرة العائلية مع اتساع السماء، ويلتقي التطريز اليدوي بإيقاع الكواكب، وتتحول المجوهرات من مجرد زينة إلى سردٍ روحي عميق. ويأتي المعرض، الذي تنظمه «بولغري» احتفاءً بشهر رمضان، امتداداً لنهج الدار في استحضار حكايات الشهر الكريم برؤية أكثر التصاقاً بالثقافة المحلية وجذورها الرمزية. هنا، لا يحضر القمر بوصفه رمزاً احتفائياً عابراً، بل كفضاء للتأمل في مفاهيم الزمن والتحوّل والتجدّد. وبعين المها، يصبح هذا الجرم السماوي سؤالاً فلسفياً مفتوحاً حول الاحتمال، والدوران، والعودة.
-
المها جارالله: الفن يمنح المجوهرات روحاً وعمقاً
فكرة
على مدار عامين، انشغلت المها بفكرة تقليب العملة المعدنية، اللعبة الشعبية في الإمارات، المعروفة باسم «دلة ولا درهم».. تقول المها: «لطالما شغلتني تلك اللحظة المعلقة في الهواء، لحظة (تقليب العملة) حيث ينحبس النفس بانتظار استقرارها على وجه دون آخر». ولا ترى المها، في هذه اللعبة، مجرد وسيلة للحسم، بل مختبراً فلسفياً للاحتمالات البشرية؛ فتوضح: «ما يشغلني ليس الوجه، الذي سيظهر في النهاية، بل تلك الحركة الدائمة التي تسبق الاستقرار؛ فمفاهيم الربح والخسارة - في نظري - ليست سوى حالات مؤقتة في دورة زمنية كبرى». وبالنسبة للتشكيلية الإماراتية: «الخاسر ليس خاسراً للأبد»؛ لأن الحياة، تماماً كأطوار القمر، ترفض الثبات. والخسارة - في منطقها الفني - مجرد «وجه خفي»، ينتظر دورته؛ ليعود إلى الضوء. و«الفائز ليس فائزاً مطلقاً»؛ لأن الذروة بداية الانحدار نحو طَوْر جديد. هذا الاعتقاد بـ«عدم نهائية النتائج» دفعها إلى ربط العملة بالقمر؛ فكلاهما يمثل «التبادل السرمدي» للأدوار. فالقمر الذي يغيب خلف العتمة اليوم، هو ذاته الذي سيتصدر السماء غداً، بكامل بهائه.. هذه الرؤية جعلت عملها الفني في فيلم «بولغري» أكثر من مجرد لوحة؛ إنه تجسيد لـ«الزمن الدائري»، الذي لا يعرف نقطة نهاية، وتذكير بأن كل نهاية تعد - في جوهرها - تمهيداً لبداية أخرى، وأن الحقيقة تكمن في «الاحتمال»، لا في «النتيجة».
خرائط السماء
حين طُلِب من المها الغوص في فلك القمر؛ لم تكتفِ بالنظر إلى السماء، بل اختارت الالتفات نحو «الداخل»؛ لتعود إلى كنزها العائلي. فخالها، عالم الفلك الإماراتي ومؤلف كتاب «حسابات سهيل»، كان ملهمها الأول، والجسر الذي عبرت منه نحو المعرفة العربية القديمة؛ تلك التي كانت تحول العتمة إلى خريطة، والقمر والنجوم إلى رفاق سفر في رحلات الأجداد المضنية، بين رمال الصحراء، وأمواج البحر. ولم تستلهم المها من صفحات هذا الكتاب معلومات مجردة، بل استعادت «فلسفة البقاء»، من خلال تتبع حركة القمر والنجوم. وتشرح المها هذا الارتباط، قائلة: «لقد استحضرتُ - من هذا الإرث - أربع دوائر كونية، لا تمثل الزمن كأرقام، بل كحياة؛ فهي تجسد بدايات الفصول، ومواسم الصيد، ولحظات الغوص، وعَوْدة البحارة المثقلين بالحكايات. وقد ربطتُ كل دورة بمجموعة النجوم، التي كانت تَرْقُبها أعين الأجداد؛ لتعرف متى يبدأ الموسم، ومتى ينتهي».. هكذا، تحوّلت تلك الخرائط السماوية من لغة علمية جافة إلى كائنات فنية؛ وأعمال خشبية مطرّزة يدوياً بخيوط تحاكي مسارات الكواكب. وحين يسقط الضوء فوقها، يتراقص بين مسام النسيج؛ فتغدو تلك القطع كأنها «عرض فلكي حيّ»، يستحضر نبض السماء داخل حدود العمل الفني.
-
المها جارالله: الفن يمنح المجوهرات روحاً وعمقاً
التطريز كفعل «مقاومة» فنية
يمثل الرسم للفنانة التشكيلية الإماراتية، المها جارالله، «المساحة الآمنة»، والملاذ المألوف، إلا أنها اختارت - في هذا المشروع - اقتحام منطقة فنية غير مألوفة؛ فاستخدمت قماش الأورغانزا الشفاف، حيث تظهر التفاصيل من كلتا الجهتين، متحدّيةً فكرة الوضوح الأحادي. وببراعة فائقة، نسجت المها حواراً مادياً بين رقة أسلاك الحرير، وصلابة خيوط «الزري» التقليدية، التي تزيّن الأزياء الإماراتية؛ لتصنع تمازجاً فريداً، يجمع بين خفة الحداثة، ووقار التراث الإماراتي. ولا يحضر الضوء كعنصر تكميلي، بل كبطلٍ محوري، يمنح العمل الفني حياةً موازية. وفي الفيلم، لا تظهر الأعمال الفنية كديكور جانبي، بل ككيانات حيّة داخل السرد. وتتحرّك الكاميرا في مدار ثابت ومتواصل، بلا قَطْع أو توقّف، محاكيةً حركة القمر. ومع كل دورة، ينكشف التشابه البصري بين أعمال المها، والتصاميم الأيقونية لـ«بولغري»، من لولبية «Serpenti»، إلى حلقات «B.zero1»، وصولاً إلى إشعاع «Divas’ Dream».. دوائر داخل دوائر، كأنها سيمفونية بصرية، تعكس حركة القمر. وتؤمن المها بأن الفن يمنح الأشياء روحها.. فتقول عن ذلك: «أفرّق، دائماً، بين التصميم المجرّد والفن؛ فالفن هو الذي يمنح المجوهرات عمقاً يتجاوز حدود الجمال الحسي؛ ليضفي عليها روح البحث، وسحر القصة، وقوة الأثر». وضمن هذا المنظور الفلسفي، لا تبدو المجوهرات قطعاً منفصلة عن العمل الفني، بل تظهر كامتدادٍ جوهري له؛ فهي سطوحٌ صُممت لتلتقط الضوء، تماماً كما يلتقط الفن شظايا الذاكرة، ويخلّدها.
جسر إبداعي عابر للحدود
تصف المها تعاونها مع «بولغري»، بأنه «تبادل ثقافي حقيقي»؛ حيث أتاحت «الدار» لها، ولزميلتَيْها الفنانتين: فاطمة النمر، ومريم الحميد، حرية كاملة؛ لإعادة تخيل القمر بمنظور محلي خالص. وهنا، تلتقي الهوية الإيطالية العريقة بقراءة خليجية حداثية؛ لتُلغى الفجوات، وتتحدَّ الرؤى. وتختتم المها حديثها بمقولة، تجسد إرادتها: «تعلمت أن الفكرة تبقى حبيسة الخيال؛ ما لم نبدأ تنفيذها».. وبين عُمْلة تُقلب، وقمر يدور، تثبت المها جارالله أن الفن، مثل السماء، فضاءٌ مفتوح، حيث لا يوجد شيء ثابت سوى الحركة نفسها.